مقامة الصديقين :/عبد الله ولد عابدين
الثلاثاء, 08 ديسمبر 2015 11:17

مقامة الصديقين : هذا النص من كتاب جُنة المُريد دون المَريد للشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي ، و قد سبق لنا نشره بتاريخ 28 نوفمبر 2012 م ، عندما كان الكتاب لا يزال مخطوطا ، و بعد ماحظي به النص من استحسانٍ أختارنا إعادة نشره في ذكراها و لنذكر أيضا بأن الكتاب تمَّ طبعه في المغرب الشقيق بفضل الله ، و بتحقيق متميز من د. محمد المهداوي جزاه الله خيرا . المقامة :

اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن ينشئ صورة آدم مذ زمن تقادم ابتناها على صورة مدينة وأتقن فيها من المباني ما يدل على قدرة الباني، وحرك فيها مثالث ومثاني تشـير إلى أن ليس له ثاني . ثم نصب وسط هذه المدينة قصر المملكة وبث حوله أشراك المهلكة ، وسمى ذلك القصر بالقلب إذ هو بيت الرب ، وجعل مدار هذه المدينة عليه ومرجع الكل إليه بإشارة : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب". ووضع في هذا القصر سرير الملك والسلطان وأجلس عليه ملكا يقال له الإيمان، وبث الجوارح في خدمته كالغلمان ، فقال له اللسان أنا الترجمان، وقال العينان ونحن الحارسان، وقال الأذنان ونحن الجاسوسان، وقال اليدان ونحن العاملان، وقال القدمان ونحن الساعيان، وقال الملكان ونحن الشاهدان ، وقال صاحب الديوان كما تدين تدان . ثم جعل له وزيرا وهو العقل فقال الوزير : أيها الملك لا بد من خاصة تصطفيهم لنفسك خلاصة يؤثرونك على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . فأول ما تحتاج تاج وهو الولاية ، وإلى معراج وهو العناية ، وإلى دليل وهو البداية ، ثم لا بد من مركوب وهو الصدق ، ومن حلة وهي السكينة ، ومن حاجب وهو العلم، ومن بواب وهو الورع، ومن ساق وهو الحق، ومن كاتب وهو المراقبة ، ومن سجن وهو الخوف، ومن ميزان وهو الرجاء،ومن سراج وهو الحكمة ، ومن نديم وهو الفكر ، ومن خزانة وهي اليقين، ومن كنز وهو القناعة، ومن صاحب بريد وهو الفراسة. ثم أيها الملك تنظر إلى رعيتك بعين الرحمة وتفتح خزائن النعمة ، وتعدل بينهم بالقسمة، وتبعث لكل واحد منهم قسمة يقيم بها رسمه. فقال له الملك : انظر أنت في الرعية وأزل عنهم الشكية ، وتول تفرقة الجامكية . فقال اليدان : أنا على جميع الآلة ، وقالت الأسنان أنا أطحن ، وقال اللسان أنا أعزل النخالة، وقال الريق أنا أعجن وأتولى إلى المعدة إرساله . فقالت المعدة وأنا أطبخ وما أزيد على ذلك. وقالت الطبيعة أنا أتولى تفرقتها وقسمتها بالعدالة وأبعث إلى كل عضو ما يطيق احتماله . فلما فُرقت الجامكية بين من حوالَه وصحح الملك أحوالَه قال الوزير للملك : ما بعد النفقة إلا العرض وأداء الفرض ونادي في جيشك بالطول والعرض لينذر البعض البعض قبل أن تبدل الأرض غير الأرض ، فنادى مناديه يا معشر الرعية إن الملك قد أقسم بالأليّة أن من عدل عن الطريق السوية وكفر نعمة العطية وأنفقها في الخطية فقد أخطأ النية ونقض البنية ] أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ[ .وللملك عدو قد سكن جواره يقال له النفس الأماره بالسوء وهي تنازع في الإماره ، وقد استنصرت عليه بالدنيا الغداره ، وظاهرهما الهوى وبعث إليهما ، وجاء بالشيطان وكتب له منشور الوزاره وقد شنوا في أرض الملك الغاره فيا خيل الله اركبي ومن العدو لا ترهبي ، فهناك ركب القلب بين ميسرة خوفه وميمنة رجائه ومقدمة توكله وساقة التجائه ، متحملا أثقال ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ[، متمسكا بأذيال ] إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[.فلما وصل بجنوده إلى معبوده بصدق النية والهمة السنية ، نادى مناديه في ناديه : ] إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي[ ومن عول عليه فليتنح عني . فقال أهل الضرورة لا بد من إقامة الصورة ، فجاء وجه الراحة بإباحة : ] إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [ فأما من عدم الفطنة ووقع في شرك الفتنة فشربوا منه حتى أورثهم البطنة فلما قابلهم القوم ] قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ[ فقال الذين صبروا ابتغاء وجه الله ] كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه[.فالتقيا بجيشهما في ملتقى بحريهما ] هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [ فكان التوكل موكَّلا بالحرص، والزهد مجاذبا للدنيا ، والتواضع مدافعا للعجب، والإخلاص ماحيا للرياء ، والتقوى منافيا للدعوى، والخوف مواقعا للهوى ، والتسبيح والتقديس في محاربة إبليس. فتقدم حزب الله وشعاره اللهم إنا جعلنا بك إقدامنا فثبت أقدامنا فإنا لا ندرى ما قُدامنا ]فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه[ ]وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه [ فلم ير منهم إلا مول دُبُرَه وغانم عُمُرَه، وأصبح منازل الهوى والنفس ]كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ[.وما زالت النفس بإسرها في أسرها حتى اعترفت بقهرها واتصفت بكسرها فناداها من له المنـة : ]يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . من كتاب جُنة المُريد دون المَريد .

صورة ‏عبد الله بن عابدين‏. مقامة الصديقين :/عبد الله ولد عابدين