حقيقة التصوف و مقامات المريد السالك :/عبد الله ولد عابدين
الأربعاء, 18 نوفمبر 2015 10:34

altسواء أكان أصل التسمية من الصفاء أو الصُّفَّة أو الصف أو من لَبْسِ الصوف تقشفا أو من كلمة "سوف" اليونانية محرفة و التي تعني الحكمة ، أو كان أصلها غير هذا كله ؛ فالحاصل الآن أن التصوف بات علما مستقلا بذاته ، و لم يخل عصر من عصور الإسلام الأولى من علماء أجلاء عرفوا بالتصوف ، بل يعتقد " القوم " أن التصوف كحياة و مضمون كان من زمن النبوة ؛ إذْ أصله " العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى و الاعراض عن زخرف الدنيا و زينتها ، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه ، و الإنفراد عن الخلق و الخلوة للعبادة " . و لكن اختصاص المتصفين بهذه الأوصاف باسم الصوفية لم يأت إلا بعد القرن الثاني الهجري ردا على ما ساد حينها من مظاهر الإقبال على الدنيا و بهرجها ، و التنافس في المجون و اللهو و ظهور العصبيات ، و ما ساد العالم الإسلامي حينها من ضعف و وهن في الحياة الروحية تماما كما هو حاصل في أيامنا هذه . فهل حقا كان التصوف في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هل جاء به الوحي ، أم أن ذالك مجرد ادعاء من " القوم " ؟.

يحاجج المتصوفة خصومهم القائلين بابتداعهم في الدين ؛ بأن التصوف ليس مذهبا حتى يَجِدَّ بعد النبوة ، بل هو أحد أركان الدين الثلاثة ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ؛ فالتصوف يهتم بتحقيق مقام الإحسان ، و هو " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، و أنه يستمد أصوله و فروعه من الكتاب و السنة و اجتهاد علماء الأمة فيما لم يرد فيه نص من الشارع ، و أن التصوف إنما هو طريق يسلكه السالكون إلى معرفة الله تعالى من خلال تطهير القلوب من الأخلاق السيئة و تحليتها بالأخلاق الحسنة . هكذا ظهر التصوف في البداية كنزعات فردية تشكلت في حركة نخبوية انتسب لها أجلاء العلماء و الأمراء و القادة المجاهدين ، ثم فتحت مصراعيها أمام الجهلة و عامة الناس ففشت بين أتباعها ممارسات خاطئة جعلتها في مرمى نيران المثقفين المعاصرين و بعض المدارس السلفية و الحركات الإسلامية باعتبارها وَكْرًا للخرافات و الدجل و بدعة دخيلة على الإسلام . يقول الشيخ سيد المختار الكنتي الكبير واصفا هذه المرحلة من انحطاط الصوفية : " ... و ادعى الدخول فيها كلُّ غبي جهول ، و أفصح بسلوكها كلُّ رازح ملول ، و ذهب أهلها الذابُّون عنها في كل نفس بالبراهين الباهرة و الأدلة القاطعة كلَّ من هجس . و غاب عن الخَلق أصلُها حتى رام زواجَها كلُّ ذي فنس ، و هزلت حتى سامها كلُّ ذي فلس ، و تشبع بها بما ليس عنده كل مجرم ، و تزَبَّبَ لذالك كل حصْرَم ، و تنسَّر لذهاب أهلها البُغاثُ ، و خبط فيها خبط عشواء الجهلةُ الأحداثُ ، فرمست الرامسات آثارها ، و خفيت معالمها و مناهلها ؛ فلم يبق منها إلا أسطارها تعين على من له ذوق من هذه الطريق " اهـ . بعد تجاوزهم مرحلة الحركية و النزعة الفردية ؛ دخل الصوفيون مرحلة التصوف الطُّرُقيُّ في حدود القرن السادس الهجري ، فتعددت الطرق الصوفية عبر مراحل متتالية ، و انتشر بعضها في المشرق الإسلامي و بعضها في المغرب (القادرية ، التيجانية ، الشاذلية ، النقشبندية ، الرفاعية ، المهدية ...إلخ ) و كان لبعض هذه الطرق انتشار واسع ، و دور كبير في نشر الإسلام و الجهاد ضد المستعمر ، و إصلاح المجتمعات الإسلامية مثلما هو الحال مع الطريقة القادرية بفرعيها في منطقة الساحل و الصحراء ، خصوصا القادرية الكنتية التي شهدت انتشارا لافتا و تأثيرا غير مسبوق خلال مرحلة ما قبل مجيء الاستعمار الغربي إلى المنطقة ، خاصة مع ظهور الحضرة المختارية في عهد الشيخ سيد المختار الكبير و من تبعه من مشايخ مدرسته ذات الفكر الإصلاحي الشامل . فعلى غير عادة المتصوفة في النزوع إلى العزلة و نبذ الخُلطة ؛ أخذت الطريقة القادرية الكنتية المختارية على عاتقها مهمة إصلاح الخاصة و العامة معا ، وفق فكر إصلاحي يوظف العلم و الدين في إصلاح المجتمعات و توجيهها الوجهة الصحيحة . وبالعودة إلى حقيقة التصوف و أصله من الكتاب و السنة و إجماع علماء الأمة ؛ نورد هنا نصا من جُنة المُريد دون المَريد للشيخ سيد محمد الخليفة يقول فيه : " لقد كذب و الله و افترى من يقول إن طريق الصوفية لم يأت بها كتاب و لا سنة و أنها مناقضة لظاهر الشرع ، و قوله ذالك من أكبر العلامات الدالة على كثرة جهله ، فإن حقيقة الصوفي عند القوم عالِم يعمل بعلمه على وجه الإخلاص لا غير . و غاية ما يطلبه القوم من تلامذتهم بالمجاهدات بالصوم و السهر و العزلة و الصمت و الورع و الزهد و غير ذالك من أنواع الرياضة ؛ أن يصير أحدهم يأتي بالعبادات على الوجه الذي يشبه ما كان عليه سلفهم الصالح ، لا غير . و لكن لما اندرست طريق السلف باندراس العاملين بها ، و صار الدين غريبا و أهله غرباء ؛ ظن بعض الناس أنها خارجة عن الشريعة لقلة من يتخلق بصفات أهلها " اهـ . الصوفية إذن مجاهدة و رياضات للمريد على يدي شيخ روحاني مربي ، يتدرج من خلالها المريد في مقامات و مراتب و أحوال ، و لكل مقام علامة و مدة زمنية تطول و تقصر بحسب حال المريد السالك كما يراها الشيخ المربي ، حيث يصعد المريد عبر مقامات السلوك التي تتوزعها مراتب الإسلام و الإيمان و الإحسان . و قد تحصل للمريد حال من " الجذب " و هو أنواع أربعة : الجذب لله ، و الجذب مع السلوك ، و جذب الشطح ، و جذب الغرض . أما مقامات السلوك فهي سبعة يفصلها لنا الشيخ سيد المختار الكبير قائلا : " اعلم أكحل الله عيني و عينك بإثمد الاستبصار ، و نوَّر قلبي و قلبك بسراج المعارف و الأسرار ، أن مقامات السلوك سبعة ، و هي : ـ مقام المختارين ؛ و هو مقام البيعة . ـ مقام الأبرار ؛ و هو مقام نصيحة الشيخ . ـ مقام النجباء ؛ و هو مقام الرياضة . ـ مقام النقباء ؛ و هو مقام المجاهدة . ـ مقام الأبدال ؛ و هو مقام قوة الرجاء . ـ مقام الأخيار ؛ و هو مقام الاستعداد للمطلوب . ـ مقام الأوتاد ؛ و هو مقام المطلوب . كل مقام من هذه المقامات إثنا عشر رمحا ، و كل رمح من هذه المقامات ستة أشهر ...أي ستة أشهر لمعتدل السير ، و أما بطيء السير لكثرة عثراته من سوء أدبه و مخالفته للشرع أو قصور همته أو نحو ذالك من العثرات التي تبطئ السير؛ فأكثر من ذالك بحسب عثراته ، و أما زكي الفطرة التي قلّتْ عثراته و أسرع في سيره فالرمح له أقل من ستة أشهر بحسب سرعته في السير ..." اهـ . و هذا ما يفسر لنا تفاوت مُدد بقاء المريدين في حضرة مشايخهم وهم يعملون على إصلاح قلوبهم من قترة عيوبهم و ما ران عليها من ذنوبهم . لقد تجددت الحاجة اليوم لهذه التربية الروحية في عصر طغيان القيم المادية في المجتمعات الإسلامية ، و أصبح دورها لا غنى عنه أمانا من الإلحاد و التطرف الديني ، الذيْن تكتوي بناريهما شعوب المنطقة هذه الأيام . و قد أدرك حكماؤنا و حكوماتنا مدى الحاجة إلى العودة إلى مناهج تربية النفوس و تزكيتها ، و ترويضها و مجاهدتها ؛ لإصلاح أحوال الخاصة و العامة ، و توجيه المجتمعات توجيها صحيحا ، وفق منهج النبوة ، على طريق الصحابة و التابعين، و السالكين سبيلهم من الأولياء و الصالحين ، من علمائنا و مشايخنا المربين . و قد أنجبت منطقة غرب الصحراء الكبرى منذ قرون خلت أجيالا متتابعة من هؤلاء العلماء الأعلام تركوا لنا كنوزا وافرة من مختلف جوانب المعرفة تضمنتها آلاف من المخطوطات النفيسة لمَّا تجد بعد حظها من العناية ، و إن كانت الأرض عطشى لمعينها و الناس في أمس الحاجة إليها .و معاول الهدم و النسيان و عاديات الزمان تتخطف ما تبقى منها في رفوف مكتبات أهلية لا تتوفر على أدنى مقومات الصيانة ؛ فهل من مُنقذ ؟.

صورة ‏عبد الله بن عابدين‏. صورة ‏عبد الله بن عابدين‏. صورة ‏عبد الله بن عابدين‏.

حقيقة التصوف و مقامات المريد السالك :/عبد الله ولد عابدين