الكلمة والواقع.. جدل التأثير" أدي زلد آدب
الخميس, 12 نوفمبر 2015 10:50

 صورة ‏أدي آدب‏.لا أحرصُ على عيْشِ الحَياةِ بتفاصيلها، لأنَ تفاصيلَها كثيرا ما تكونُ مُمِلَّةً وتافهةً، أنَا أطار دُ" المَعْنَى"، وقد حدَّدْتُ مُهِمَّتِي هذه، في حِوَارِيةِ "هذا أنا":

منْذُ القِدَمِ يَحْتَدِمُ الجَدَلُ البيزنْطي، حوْلَ الكَلِمَةِ والواقِع.. أيُّهُمَا يُؤثِّرُ في الآخَرِ، أوْ أيُّهُما -على الأصحِّ- أقْوَى تأثيرًا، إذْ كلٌّ مِنْهما-بِلا شَكٍّ- يَفْعَلُ فِي نظيرهِ. ومَهْمَا يَكُنْ، فإنَّنَا -عُشَّاقَ الكَلِمَةِ ومُمْتَهِنُيها- سَنَظلُّ نَخُوضُ مَعْرَكَةَ تَغْيِيرِ الوَاقِعِ الآسِنِ إلَى الأفْضَلِ، ونَحْنُ لا نَمْلِكُ- ولا نُريدُ أنْ نَمْلِكُ – سَلاحًا غيرَ الكلِمة، رغْمَ إدْراكِنا أنَّها أصْبَحَتْ سُخْرِيَّةَ الساخِرينَ، وأضُحُوكَةَ المُتضَاحِكِينَ، بعْدَمَا صَارَ حِبْرُهَا- في الغَالِبِ- مَغْشُوشًا بالمَاءِ، وحُرُوفُها فُقاعات، جَوْفَاء... نَعَمْ.. إنَّ الكَلِمَةَ السائِدَةَ اليَوْمَ هي الكَلِمَةُ/ السِّلْعَةُ، المَأجُورَةُ، الحِرْبَائِيةُ، المُنَافِقَةُ... وهذا النوْعُ من الكلماتِ يُزَيِّفُ الواقعَ، ولا يَكْشِفُه، يٌفْسِدُه، ولا يُصْلِحُه، يَهْدِمُه، ولا يَبْنِيهِ، ويُكَرِّسُه، ولا يُغَيِّرُه، ولهذا فقَدَتْ الكلمةُ مَعْناها، وسُمِّيتْ الأشياءُ بنَقيضِ أسْمائها، فأصبحتْ المَساوئ فضائلَ، والفضائلُ مَسَاوِئَ، فانْطمَسَ الواقعُ، وانْتَحَرَ المَنْطِقُ، وضاعَ المَعْنَى...

ومِنْ هُنَا، تَفَشَّى الاسْتِهْزاءُ بالكلامِ، ولمْ تَعُدْ تَسْمَعُ إلا "هذا مُجَرَّدُ كَلامٍ"،"هذا كلامُ جرَائدَ"، " هذا "كلامُ شُعَرَاءَ"، "هذا كلامُ فلاسفةٍ"، "هذا كلامُ سِيَّاسِيينَ"...بمَعْنى أنَّ كلامَ الجميعِ لم يَعُدْ يَعْنِي شَيْئًا، ولكنْ هذا الواقعُ لنْ يُحْبِطَنَا، ولنْ يُثَبِّطَنَا، رغْمَ أنَّه جَديرٌ بذلك، بلْ لن يَزيدنا إلا إصْرارًا عَلَى مُواصَلَةِ الرِّحْلَةِ معَ الكَلِمَةِ، إذْ أوَّلُ واقعٍ نُريدُ تَغْييرَهُ هو واقعُ الكَلِمَةِ نفسها، حتَّى تَسْتَعيدَ شَرَفَها، وسِحْرَها، وقوَّةَ تأثيرها... حيث سَنَجْعَلُ دِمَاءَ القُلوبِ حِبْرَها، وشُحناتِ الصدْقِ وَقُودَ حُرُوفِها، وصَلاَبَةَ العَزْمِ والمَبْدَأ طاقَتَها المُتَجَدِّدَةَ، وإرَادَةَ الخَيْرِ دَافِعَها، وعندها سَتَعْرِفُ من جديدٍ طَريقَها إلى القُلوبِ، وتَسْترْجِعُ أسْماءَها ودَلالاتِها: "كلِمة شَرَفٍ"، "أعْطيْتُه كلِمَتِي"، " أنا عنْدَ كلِمتي"، لتُصْبحَ الكلمةُ تُساوي الواقعَ الفِعْلِي تمامًا، كمَا كانتْ ذاتَ يوْمٍ. ومنْ هُنَا سَيَتَحَوَّلُ سُؤالُ: هلْ تَسْتَطيعُ الكلمةُ أنْ تُغَيِّرَ الواقعَ؟ إلى سُؤالِ: هلْ يَسْتطيعُ غيْرُ الكَلِمَةِ أنْ يُغَيِّرَ الوَاقِعَ؟

الكلمة والواقع.. جدل التأثير